الشيخ محمد الصادقي الطهراني

299

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وفي هذه المقاطع إيحاآت بكل التخلفات التي كانت تعيشها البيئة الجاهلية بحق اليتامى ، فاحتاجت إسلامياً إلى إجتياحها عن بكرتها ، وقد أثرت في المسلمين لحد صمموا على الانفصال كلياً عن اليتامى كيلا يتورطوا في محاظير مقصَّدة « وكفى باللَّه حسيباً » . ليس فحسب في ولايتك على اليتامى إصلاح أموالهم ، بل واصلاح أحوالهم ومنها الرشد لتسلّم أموالهم حتى يُصلحوا فيها كما أنتم تُصلحون اقتصادياً وشرعياً : « وابتلوا اليتامى » ذكراناً وأناثاً ، يتيمات صغيرات ، أو كبيرات كاللاتي مات عنهن آباءهن ولمَّا يتزوجن ، فإنهن داخلات في « اليتامى » من يخصكم نسباً أو سبباً أم لا يخصكم ، فإنما الموضوع في واجب الابتلاء وسائر الإجراآت هو « اليتامى » دونما أي قيد أو شرط آخر ، ودون غير اليتامى إذ لم يفرض على الأولياء ذلك بحق السفهاء ، فإنما « لا تؤتوا السفهاء » وأما اليتامى منهم فهم مخصوصون بكرامة الابتلاء . ولزام الابتلاء تجويز المعاملات الجزئية للصغار على رقابة الأولياء ، تعريفاً منهم لهم كيفية المعاملة ، إبتداءً بكونهم كوسائط في هذه المعاملات ، ومن ثم استقلالٌ على نفس الرقابة حتى يؤنس منهم - على ضوء التداوم في ابتلاءهم - رشدٌ ، فقد تجوز معاملة الصبيان ضمن الابتلاء حيث يؤمرون به ، ولولاه لما جاز الابتلاء فضلًا عن ووجوبه ! وهذا لا يقتضي تجويز معاملاته المستقلة خارج الابتلاء ، ولكن يجوز - معذلك - دفع مالٍ له إليه فإنه مشروط بإيناس الرشد حسب النص « فإن آنستم » إذاً فجواز معاملاته مشروط بشرطي عدم دفع ماله إليه وبالرقابة عليه في معاملاته الإبتلائية . ولأن الضرورات تقدر بقدرها بجواز تصرفات الصبي مقدر بقدر واجب الابتلاء ، فإن اقتضى دفع مال له إليه لمعاملة على رقابته دفعَه إليه ، وليس هذا داخلًا في النهي المستفاد من الأمر في « فادفعوا » حيث يعني الدفع طليقه دون مقيده بالرقابة الإبتلائية ، كما وقد لا يشمله منهي الدفع لأنه ليس دفعاً وإنما هو لزام الابتلاء ، أم إذا كان دفعاً يخصص بالدفع الذي هو لزام الابتلاء . وواجب الابتلاء هو منذ التمييز إذ ليس أمراً دفعياً يحصل قفزة دون مِراس ، بل هو تدريجي إبتداءً من بداية التمييز « حتى إذا بلغوا النكاح » ، ثم وليس بلوغ النكاح آخر المطاف في واجب ابتلاءهم وسماح دفع إموالهم إليهم ، بل « فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم